الشيخ محمد عبده

11

رسالة التوحيد

( وبعد ) فلما كنت في بيروت من أعمال سورية أيام بعدى عن مصر ، عقب حوادث سنة 1299 هجرية ، ودعيت في سنة 1303 إلى تدريس بعض العلوم في المدرسة السلطانية ، ومنها كان علم التوحيد ، رأيت المختصرات في هذا الفن ربما لا تأتى على الغرض من إفادة التلامذة ، والمطولات تعلو على أفهامهم ، والمتوسطات ألّفت لزمن غير زمانهم ، فرأيت من الأليق أن أملى عليهم ما هو أمس بحالهم ، فكانت أمالي مختلفة تتغاير بتغاير طبقاتهم ، أقربها إلى كفاية الطالب ما أملى على الفرقة الأولى في أسلوب لا يصعب تناوله ، وإن لم يعهد تداوله : تمهيد مقدمات ، وسير منها إلى المطالب ، ومن غير نظر إلا إلى صحة الدليل ، وإن جاء في التعبير على خلاف ما عهد من هيئة التأليف ، راميا إلى الخلاف من مكان بعيد ، حتى ربما لا يدركه إلا الرجل الرشيد ، غير أن تلك الأمالي لم تحفظ إلا في دفاتر التلامذة ، ولم أستبق لنفسي منها شيئا . وعرض بعد ذلك ما استقدمنى إلى مصر ، وكان من تقدير اللّه أن أشتغل بغير التعليم ، حتى أتى النسيان على ما أمليت ، وذهب عن الخاطر جميع ما ألقيت ، إلى أن خطر لي من مدة أشهر خاطر العود إلى ما تهواه نفسي ، ويصبو إليه عقلي وحسى ، وأن أشغل أوقات فراغى بمدارسة شيء من علم التوحيد ، علما منى أنه ركن العلم الشديد ، فذكرت سابق العمل ، وتعلق بمثله الأمل ، وعزمت أن أكتب إلى بعض التلامذة ليرسل إلى ، ما تلقاه بين يدي ؛ لكيلا أنفق من الزمن ما أنا في أشد الحاجة إليه في إنشاء ما أرى التعويل عليه ، وذكرت ذلك لأخي 1 ، فأخبرني أنه نسخ ما أملى على الفرقة الأولى . فطلبته وقرأته ، فإذا هو قريب